10 - 01 - 2026

رشقة أفكار | قانون المرور الجديد: تعمير جيوب الحكومة و"تعوير" جيوب المواطنين! (2)

رشقة أفكار | قانون المرور الجديد: تعمير جيوب الحكومة و

- أنتم متهورون وتقودون عرباتكم في الشارع.. استلقوا وعدكم أو بيعوا سياراتكم !

قادة المركبات - الملاكي - يثقون أنهم حتى  لو كانوا غير مخطئين، فقد يجبرون على دفع تكاليف أخطاء غيرهم أو "يستلقوا وعدهم"! المواطنون العاديون "مش قبضايات"، بحيث يمكنهم أن يواجهوا المجهول الذي يسمعون عنه أو يشاهدونه.. هذا "يغز ذاك بمطواة او يطعنه بسنجة أو يهوي على رآسه بساطور.. أو في احسن الأحوال بشومة يكسر بها عظامه، ويؤدبه، لأنه من لم تؤدبه الأيام والليالي يؤدّبه أولاد الـ….كما يقول الناس العاديون!

سواق التوكتوك يفعل ذلك وكل برغوت على قد دمه.. إنه لا يتحمل أن تسير محترما السرعة المقررة، والتي لو زادت عن ٦٠ كيلو متر في الساعة فوق الكباري "هتتهف" مخالفة إذا التقط الرادار صورة لمركبتك وأنت على سرعة ٦٥ كلم! حدث هذا كثيرًا.. وقد لاتستطيع أن تخفض سرعتك وأنت مقبل على صعود جسر من الجسور، لأن خلفك سائقا عنيدا يريد أن تفسح له الطريق كي يمرق كالسهم غير عابيء بارتكابك - أو حتى بارتكابه - مخالفة لأسباب شتي، إما لأنها مملوكة لـ …. أو أنه لن يهتم بالمخالفات لأن "المواطن" صاحب السيارة سيدفع في النهاية ولو اتخرب بيته! المهم أن السائق في كل الأحوال يخرج "صاغ سليم".. فهو غالبًا يجيد معارك الشارع، وربما يرتبط بصداقة مع أحدهم يرفع عنه المخالفات.. "الصحوبية" مهمة والواسطة أهم.. والقوة أكثر فعالية وقدرة على تجاوز المواقف الصعبة: كشف المخدرات.. السير بدون رخصة.. الرعونة والاستهتار.. المخالفات السريعة إلخ.!

لايمكنك أن تخرج بسيارتك باطمئنان وسعادة كما كان.. أنت تحوقل وتبسمل وتقرأ كل ماتحفظ من أدعية لكي تخرج بسلام وتسير بسلام وتعود بسلام! أصبح هذا مطلبًا عزيز المنال.. نعم فأنت قد تجد نفسك في لحظة واحدة مشتبكا مع أحدٍ من هؤلاء.. حتى سواق الموتوسيكل يجبرك أن تفسح له اليمين إذا جاءك من اليمين.. ولو تباطأت لظروف الطريق والسيارات التي أمامك فسوف يعطيك من كلماته وشتائمه "من المنقي خيار".. تبدّأ بالتنمر عليك مثلا: "حلاوتك ياجدو.. ماشي ياعمو.. إنجز يابابا.. إتعلموها بقى.. وحاجات كده".. أو يزيد على هذا فيكيل لك السباب بداية من الدين إلى الأهل.. الأم والأب وربما المنطقة كلها "إنتوا جايين من أي داهية؟ يشعرك أنه جاء من مناطق الفيلات في نيو جيزة (عرفنا اسمها من  عبرحيم على!) أو القطامية هايتس (عرفناها من  سعد الدين إبراهيم).. أو من الزمالك في أبسط الفروض الآن!

السلطات تتعامل مع قضايا المرور خطأ.. تلجأ الحكومة إلى البرلمان لتسن قوانين مغلظة.. تعتمد سياسة "تعوير" الجيوب وتعتقد أن مهمتها هي الجباية.. هذه هي السياسة المتبعة منذ طبقت فلسفة إدفع لتحصل على الخدمة! ولا أحد يعرف إذا كان الناس خلقوا ليدفعوا ثمن خدمات تؤديها لهم الدولة، فما هي فائدة الدولة.. الحكومة! هل خلقها الله لتنهب أموال الناس فقط، مقابل خدمات منقوصة تماما! لننظر إلى رسوم استخراج رخص القيادة المبالغ فيها، ورسوم استخراج الأوراق الرسمية البطاقات والباسبورات وشهادات الطلاق والزواج والميلاد!

عندما أدفع كل هذه الأموال لاستخراج رخصة.. مركبة أو قيادة.. لابد أن أجد هناك خدمات في المقابل.. خدمات حقيقية.. رجل مرور مؤهل تماما.. متخصص.. مدرب.. يصل إلىَّ في لحظة قبل أن يفتك بي السائق أو المخطيء عموما! أنت تجد نفسك طرفًا في مشكلة في الشارع ولا أحد يغيثك.. وان ظهر أحدهم فإنه لايقوم بعمله - الغالبية كذلك - ويحاولون بعد خراب مالطة إنهاء الموضوع من دون الوصول إلى حلول حاسمة.. ينطق رجل المرور كلمة أصبحت عنوان مرحلة: (إنتوا عاوزين حاجة من بعض؟!) ماهي الجهة المختصة بالفصل الصحيح في حالات الحوادث؟ هل هناك جهاز مختص؟ من رئيسه؟ من هم  عناصره؟ من أي قطاع كلفوا بعملهم؟ ماهي احصائيات تصديهم للحوادث؟ ما أرقام هواتفهم؟ ماهي أدواتهم وما هي وسائلهم وما هي أساليب تعاملهم مع حادث؟

هناك دول لاتضيع فيها حقوق الطريق ولا السائرين عليه، ولايمكن لأحد أن يتصور أنه يملك الطريق! تنشق الأرض فورًا عن شرطي، يركب دراجة بخارية متطورة، أو سيارة شرطة مجهزة.. يكون خبيرا يدرس العلامات على الأرض من كافة الزوايا.. آثار الكاوتش.. زاوية الوقوف بعد الحادث.. أمن ومتانة المركبة.. مسألة ليست شخصية أبدًا.. أول القصيدة وآخرها هو هذا الرجل المتخصص الذي تنشق عنه الأرض، والجهاز الذي يتبعه ويعمل معه ويضم خبراء ومختصين، يحيلون الأمور في النهاية إما إلى شركات التأمين والقضاء أو إلى التصالح الحقيقي، بحيث يتحمل المخطئون فاتورة أخطائهم، وتكون بالتالي أخطاء التنفيذ محدودة جدًا وفي آضيق نطاق!

ماذا يهمني من تغليظ العقوبات سوى أنك "عورت جيبي المخروم" أساسا بسببك، وفي نفس الوقت لم تحمني؟ في دول الخليج  مثلًا - التي يحلو للبعض خطأ وعنصرية أن يغمزها من قناة البداوة السابقة - مستحيل أن تنحرف يسارا أو يمينا خطأ ومن دون إشارة قبلها بوقت كاف.  طبعًا هذا مستحيل في دول أوروبا وأميركا.. دعوكم من  صناعة بعض آفلام الأكشن الاميركية القديمة.. مستحيل أن تتجاوز المركبة التي أمامك في طريق لايسمح بالتجاوز.. مستحيل أن تلقي عقب سيجارة في الشارع.. مستحيل. وقبل أن تغلظ العقوبات بسبب فئة من المستهترين، ممن لا يهمهم تعوير الجيوب أو لدي أسرهم ملاءة مالية كبيرة.. هذه الثقافة المرورية باحترام الطريق موجودة من الأساس.. بدليل أن اشهر محال بيع البن في دولة مثل الكويت تقدم لك مع العبوات المبيعة أكياسا مخصصة لقمامة السيارة، كيس محدد الفتحة توضع في عمود إشارات المركبة، ما إن  يمتليء حتى تفرغه بعد ذلك في أقرب حاوية في الشارع!

المرور ليس مجرد تغليظ عقوبات - بمناسبة مشروع القانون الذي تمت الموافقة عليه مؤخرًا، وتدفع فيه دم قلبك غرامات وسجنًا - فقبل أن تزج بنا إلى السجن يجب عليك أن تقضي على الفوضي في الشارع.. فلا تسمح بسيارات بالسير دونما لوحات أو وهي متهالكة وبلا أضواء أو فرامل وعوادمها تزكم الأنوف وتعتم الرؤية. ولا تسمح الموتوسيكلات بأن تمرق كالسهم مثيرة الفزع والذعر في النفوس.. وتستوقف سائقي الميكروباص والتريلات وتتأكد من أوراقهم، وتقول بتحاليل مفاجئة لعينات من دمائهم. تتحقق من وجود شرطي مؤهل مدرب عند كل إشارة مرورية. وفوق هذا وذاك أن تنشق الأرض عن جهاز المرور المتخصص إذا وقع حادث بين شخصين فورًا وبلا إبطاء.

هناك ما هو أسبق من ذلك كله.. إنها الثقافة المرورية التي تحتاج نشرًا واسعًا، وأن تصل إلى كل الناس، وجهازًا متخصصًا نلمس ونتأكد من وجوده في نقاط المرور الأساسية، ويستطيع الوصول إلى أمآكن الأحداث في دقائق معدودة، وهذا الجهاز له عناصر مؤهلة ومدربة تماما ولا تجامل أو تحابي أو تفسد أمام أي إغراء.. الموضوع أكبر من مجرد تغليظ عقوبات.. تغليظ العقوبات يعتمد فلسفة تعوير الجيوب وهي معناه الوحيد تعمير جيوب الحكومة وخراب جيوب وبيوت المواطنين.. وبالمرّة تحذير مبطن لنا بأن بيعوا سياراتكم أحسن لكم!

مرة واحدة لله، ادرسوا الأمور من زواياها كافة قبل أن تصدروا قوانين وقرارات.. فقد "هرمنا"!
-----------------------------
بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | لم يعد هناك ضوء في آخر النفق! (٢-٢)